العربية |   Français | English

بحث بقلم: الدكتور مصطفى تسيريتش، قدم في مؤتمر مكة المكرمة الخامس المنعقد في مكة بعنوان (الحوار الحضاري والثقافي أهدافه ومجالاته) بتاريخ: 4/12/1425هـ الموافق 15/1/2005م

ملخص:
إن الأزمة الحاليّة للحضارة الإسلاميّة قد تُرَى في نقص الثّقة بالنّفس الذي جاء نتيجةً للقلق الثّقافيّ الذي ترافق مع زمن فقدان الإيمان بالتحرر من الذّنب والإيمان بتساوي فرص النجاح في الحياة والتاريخ. وبالتّالي، فإن أجيالا متلاحقة من المسلمين فقدوا الجرأة الرّوحيّة والإبداع الفكريّ. وبدلاً من ذلك فإننا نرى عندهم نوعا من الخجل الرّوحيّ الذي يقود الحضارة الإسلاميّة نحو العزلة، كما نرى اقتباسا فكريّا يوشك أن يفضي بالحضارة الإسلاميّة إلى الذوبان والانصهار.

وهنا تكمن الإجابة الممكنة عن السّؤال: هل ستمضي عجلة الحضارة الإسلاميّة قُدُما؟ أو هل يجب لها الانطلاق من هنا؟ هل ستسير نحو العزلة أو الذوبان والانصهار؟ أم أنها ستسير نحو التّفاعل والتّعاون؟

إن الحضارة الإسلاميّة لم تُصْنَع للعزلة أو للانصهار والذوبان، بل إنها صُنِعَت للتّفاعل والتّعاون. ولكي تمضي الحضارة الإسلامية في هذا الاتّجاه، ينبغي لها أن ترفض فكرة الذّنب التّاريخيّ. لقد فُرِض في هذه الأيّام على المسلمين الإحساسُ بوجوب أن يقوم الجيل الحاليّ من الشباب بتصحيح كافة أخطاء الأجيال السّابقة، قبل أن يفكّر في تصحيح المستقبل القريب والبعيد للأمة.

بعبارة أخرى، ينبغي للجيل المعاصر أن يتمسّك بقوة بالإيمان بالتحرر من أخطاء الماضي، وبذلك يتحمل المسؤوليّة عن مستقبل العالم، ليس بالسير على طريق الانعزال أو الانصهار والذوبان، وإنما بالسير على طريق التّفاعل الثّقافيّ المتساوي والتعاون الحضاري. إن الأرضية المتوسطة للتفاعل التّاريخيّ والتّعاون العقلاني، هي الطريق الصحيح للحضارة الإسلامية كي تخرج من ضيق العزلة وخطر الانصهار.


مقدمة:

عجلة الحضارة الإسلامية
إنه من الممكن أن ننظر إلى الحضارة الإسلاميّة على أنها عجلة تدور حول محور الرسالة الإلهيّة المستمرّة، وذلك منذ عهد آدم أبي البشر إلى زمن خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
إن هذا المحور الإلهيّ للحضارة الإسلاميّة مستمر دون أدنى تغيير، لأنّه يمتلك ذات المعنى للروح الحيّة، ولأنه يمثل نفس المنطق للحقيقة المطلقة.
إن هذا المحور يتمتع بنظام يجعله قادرا على تحريك عجلة الحضارة الإسلاميّة في مختلف الاتّجاهات، مع بقائها غير بعيدة عنه. وكما هو معلوم فإن سرعة دوران حافة العجلة تكون أكبر من سرعة دوران مركزها. ومحور الحضارة الإسلاميّة إن هو إلا هبة إلهيّة تكشف عن نفسها من خلال استمرارية الحياة والتّاريخ، وعجلة الحضارة الإسلاميّة أيضا هبةٌ إلهيّة، لكنّ حركتها تعتمد على اتّجاه البشر وسرعتهم في الحركة.

فالسّؤال إذن: إلى أين ستتجه عجلة الحضارة الإسلاميّة؟ وبأي سرعة سوف تسير؟

حرّيّة الرّوح وقوّة العقل
قبل الإجابة عن هذين السّؤالين، اسمحوا لي أن أقول إن الحضارة شيء أوسع من حالة الرخاء المدنيّة. إنني أعتقد أن الحضارة مجهودٌ تقدمه الروح البشريّة لكي تحقق توازنا بين ذكريات الماضي وذكريات المستقبل، ولكي تعبر عن مفهوم الحياة، و تقدم طبيعة الرّوح البشريّة في آمالها ومخاوفها. في الحقيقة، الحضارة هي حالة للعقل البشري يسميها ابن خلدون (العصبيّة)، أي الولع بحياة إنسانية رقيقة تتطور من مرحلة لأخرى بغرض تحقيق ذاتها عبر التّاريخ.
ومن أكثر قوى الولع بالحياة البشرية أهمية، حرّيّة الرّوح البشريّة، وقوّة العقل البشريّ.الاستمرارية والتّغيير في الحياة والتاريخ . إن وصف الحضارة "بالإسلاميّة" ينبغي أن يقودنا إلى مفهوم التعايش بين الاستمرارية والتّغيير في كل من التّاريخ والحياة. وأنا أعتقد أن هذا التعايش يمثل النّقطة الحاسمة التي حددت مسار الحضارة الإسلاميّة في الماضي، أي قدرتها على فهم الاستمرارية الضرورية للتراث، مع إمكانية تغيير التاريخ.
وهو على ما أرى - في هذا التّحدّي المستمر والمتمثل بتثمين استمرارية التراث وقبول التغييرات في التّاريخ - اختبار حقيقيّ لمستقبل الحضارة الإسلاميّة، سواء في ثباتها الرّوحيّ أو في إبداعها الفكريّ. وفي الحقيقة، فإن فكرة التعايش بين الاستمرارية والتّغيير هي الفكرة الرّئيسيّة التي مكنت الحضارة الإسلاميّة من تحقيق ذلك النجاح غير المسبوق في تاريخ العالم. وتكمن قوّة هذه الفكرة في مفهومَيّ إيجابية التّاريخ (التصديق)، ونشأة الإنسان الخالي من الذّنب (البراءة).
 

PDF icon مستقبل الحوار بين الحضارات والثقافات.. رؤية إسلامية تاريخ النشر:  27/10/2014 - 09:15