العربية |   Français | English
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على مصباح الهداية، وعلم العدالة، ورسول السلام، سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد :
فهذا الكتاب نُحرِّره عن (المجتمع الإسلامي – وحقوق الإنسان)، وقد سلكت فيه كغيره الاستهداء بكتاب الله، وسنة رسوله في دراسة مقارنة بين هذه الحقوق في الشريعة الإسلامية، وبينها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد اعتمدت التحليل القائم على الحجة والبرهان النقلي، وعلى الدليل العقلي.
 
الحمد لله الذي أقسم بالعصر إن الإنسان لفي خسر. والشكر له سبحانه الذي استثنى من ذلك الخسران الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الذي عرف الحق وعرَّفه للمسلمين، فكان سراجهم إلى الجنة.. وبعد فإن اهتمامي بموضوع حقوق الإنسان وواجباته في الإسلام كان منذ سنوات وكانت البداية عندما أخذ الاحتفال بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان صفة عالمية ودورية في الوقت الذي تنتهك فيه هذه الحقوق على أيدي بعض المحتفلين بالإعلان عنها والمدعين الحافظة عليها. ورغم أن كتاباتي في هذا الموضوع ضمن ما نشر بجريدة الندوة ومجلة الفيصل كانت قد أخذت كل ما كان يدور بخلدي في حينه إلا أنني كنت دائماً أشعر بالقصور فيما أكتب وأشعر بأن الموضوع له من الجوانب التي يمكن البحث فيها أكبر بكثير مما كتبت وكتب غيري. وفي بداية السنة الأخيرة من القرن الرابع عشر الهجري أصدرت مجلة رابطة العالم الإسلامي عدداً خاصاً عن حقوق الإنسان في الإسلام وكان لي حظ المشاركة في هذا العدد بمقال اختص في تناوله لموضوع حقوق الإنسان بالجمع بين الحق والواجب، وبينت فيه أن القصور الواضح في تناول موضوع حقوق الإنسان هو أن ننظر إليه نظرة سياسية أو نظرة من جانب واحد فقط "جانب حقوق المواطن تجاه الدولة" فنرى أن أغلب المواثيق والمعاهدات والدساتير والإعلانات والاتفاقات الدولية إنما تدافع عن حق الإنسان في الحرية والمساواة والاعتقاد والتعليم وغيرها من الحقوق وكلها لا يستطيع في العصر الحاضر أن ينكرها الإنسان على أخيه الإنسان، ولا يتم انتهاكها بمعرفة الفرد إنما إذا انتهكت فإن ذلك يكون من قبل الدولة فيه التي تستطيع -إذا غُلِبَ الناس على أمرهم- أن تكتب حريتهم أو تحرمهم التعليم أو تحارب معتقداتهم أو تفرق بين غنيهم وفقيرهم أو بين أبيضهم وأسودهم. ولما تفشت كل هذه الصور من صور الاعتداء على حقوق الإنسان في العالم بدأت المنظمات الدولية في الدفاع عن هذه الحقوق وحمايتها ووضعت المواثيق وأعلنت عن استنكارها لكل دولة تعتدي عليها. ولاشك أن هذا شيء عظيم، فالدفاع عن الحريات والمعتقدات والدعوة للمساواة ورفع الظلم شيء لا ينكره أحد. ولكن الدين الإسلامي دين الرحمة المهداة للعالمين، دين فيه منهج الحياتين الأولى والآخرة، لا يكتفي بمثل هذه التطورات العرضية ولا المعالجات الجزئية، فهو دين الشمول، بيَّن فيه رب العزة كل شيء.