بحث بقلم: الدكتور عبد الرحمن بن زيد الزنيدي، قدم في مؤتمر الإسلام في أمريكا اللاتينية.. حضارة وثقافة المنعقد في بيونس آيرس بالأرجنتين بتاريخ: 8/10/1427هـ الموافق 30/10/2006م

ملخص:
في عام 1948م صدر (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، وكان مصطلح (حقوق الإنسان) قد شاع قبل ذلك عالمياً ، لكن تطبيقه كان محلياً حيث تولدت هذه الحقوق شيئاً فشيئاً في الغرب الحديث بعد تحرره من هيمنة رجال الدين الكنسي وسطوة الملوك وإلغاء العقل ودنيا الإقطاع، فجاءت (حقوق الإنسان) هادفة حماية المنجز الحضاري في الدائرة الاجتماعية من اختراقات الدولة أو المؤسسات أو الأفراد ، حيث صدرت في انجلترا وثيقة الحقوق عام 1689م وبعد ذلك بقرن عام 1789م أعلنت الجمعية التأسيسية الفرنسية (حقوق الإنسان والمواطن)، ثم صادق الكونجرس الأمريكي عام 1791م على (وثيقة الحقوق)، وفي عام 1918م صدر عن الاتحاد السوفيتي (إعلان الحقوق) وأخيراً جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن منظمة الأمم المتحدة عام 1948م انبثاقاً من تلك الإصدارات المحلية وانطلاقاً بها – حقوق الإنسان – نحو العالمية – وهكذا لا يماري أحد بأن (حقوق الإنسان) بصورتها المعاصرة سواء في نماذجها المحلية – في انجلترا- فرنسا – أمريكا ...
أو في نموذجها العالمي المنبثق من تلك النماذج معطى غربي، ولدته تحولاته التاريخية وتجاربه الحضارية ، ولم يكن لدى العالم بدائل حية في هذا المجال.
في ذلك الوقت – منتصف القرن العشرين – لم يكن للإسلام صوت إعلامي وسياسي، لا في أقلياته الضعيفة في الغرب، ولا في تياراته الحركية الإسلامية، ولا في حكوماته، فلم يشعر العالم بأن "حقوق الإنسان" في إعلانها العالمي ، وما تبعه من اتفاقيات حقوقية ستواجه موقفاً نقدياً لهذا المنتج البشري الذي لا يماري أحد في أنه يمثل نقلة حضارية مهمة في مسيرة الإنسانية ؛ إلا أن هناك (دولة من الدول) تحفظت على التأييد المطلق لهذا الإعلان مستندة في تحفظها إلى الدين الذي يقوم عليه نظامها واختيار شعبها ، وكتبت مذكرة في هذا الموقف ؛ هذه الدولة هي (المملكة العربية السعودية) .       

مقدمة:
الإسلام في تعاليمه الإلهية ومن خلال علمائه ومفكريه ، لأنه دين عالمي من جهة ولشموليته الإصلاحية لكل جوانب الحياة البشرة من جهة أخرى ، لا يقف إزاء هذا الجهد البشري في شأن حقوق الإنسان موقف عدم المبالاة ، ولا موقف الاعتزال انحصاراً في دائرة المسلمين ، ولا موقف المتدرج في تيار هذه الأطروحات البشرية دون مشاركة إيجابية تخدم الإنسانية . 
إن الإسلام كما هو شأنه في قضايا الحياة الاجتماعية يقدم القيم والقواعد الهادية لضبط العلاقات الإنسانية ضبطاً تكون فيه محققة للمصالح مستبعدة المفاسد آخذة بالإنسان نحو السعادة والفلاح . 
الإسلام يعطي الإنسان معيار النقد والتهذيب لما يبدعه في مجال العلاقات ومنها حقوق الإنسان لكي تكون في أرقى صورها الإنسانية.
كان المفترض أن يكون المسلمون بحكم وجود هذا المعيار لديهم هم المبدعون لهذه الحقوق والداعون إليها عالمياً، لأن تفضيلات هذه الحقوق في العلاقات بين الأفراد وبينهم وبين المؤسسات والدولة موكولة إلى الإنسان يصوغها بحسب تطوره الحضاري ومتطلباته الزمنية وأوضاعه المادية والثقافية، مستهدياً بما قرره الوحي من قيم وقواعد شرعية.
 
ولكن بما أن التخلف الحضاري الذي يعيشونه عاقهم عن ذلك ، وبما أن غيرهم قام بهذه المهمة؛ فإن من حق هذا الغير – من جهة – أن يقوم علماء المسلمين ومفكروهم وقادتهم بدلالته على تلك القيم السامية والمعايير المبصِّرة التي تزيد تلك الحقوق رشداً وسداداً عبر خطاب راق قادر على لفت النظر وإحداث التأثير ومن صالح، بل ومن واجب هذا الغير أن لا يغلق فكره عن قبول ما يزيد مساره الحضاري صلاحاً ، خاصة وأن مثل حقوق الإنسان أصبحت عالمية بمعنى أن يكون عالمياً ، وأن تكون الأطراف كلها قابلة لأن تتلقى وأن تعطى في الوقت ذاته، لا أن يكون بعضها معطياً فقط، وبعضها آخذاً فحسب.
 
PDF icon بحث قدم في مؤتمر الإسلام في أمريكا اللاتينية.. حضارة وثقافة المنعقد في بيونس آيرس بالأرجنتين بتاريخ 30/10/2006م تاريخ النشر:  31/10/2016 - 09:30