العربية   Français  English

بعث الله نبيه بالحجة البينة الواضحة، فأنار السبيل، وكشف الظلمة، وترك أمته على محجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
وكان من أوائل من زاغ عن هديه صلى الله عليه وسلم الخوارج، فكانوا أول البدع ظهوراً في الإسلام , وأظهرها ذماًً في السنة النبوية , فإن ذو الخويصرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل, فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن خروجه وخروج أصحابه، وذكر أنهم ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)). وتحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه وفي أصحابه من أهل النهروان، وقد "كان دينهم الذي اختصوا به من بين الداخلين في الفتن هو تكفير بعض المسلمين بما حسبوه كفراً، فوردت الأحاديث بمروقهم بذلك وتواترت، وهي في دواوين الإسلام الستة".
وتصدى سلف الأمة لهذه الفتنة، وكان من أقوم سُبل معالجتها صبر عليٍّ وأناتُه على الخوارج، وإرساله حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لمحاورتهم ومجادلتهم.
فعاد إلى الحق جمهور كبير منهم، بينما كان سيف الحق بالمرصاد لبقيتهم، ممن اختار الغواية والعماية، ليسطع نور الحق من جديد، وتضمحل هذه الضلالة إلى أن غدت أثراً بعد عين.
لكن ذلك لم يمنع تداول هذا الفكر في العصور التالية، وإن سلُم هذه المرة من آفة الخروج والقتال، وتجسد ذلك في الفرق الإسلامية البدعية المختلفة التي أشهرت سيف التكفير في وجه مخالفيها، حتى غدا التكفير سمة لا تنفك عن أهل البدع: "وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعة، ويكفرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية".
وما زال هذا الوباء يسري بين المسلمين حتى وصل إلى بعض المتنسبين للمذاهب الفقهية لأهل السنة والجماعة، فتداول متعصبة المذاهب تكفير الآخرين "ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم".
ومن ذلك قول الرستغفني الحنفي: "لا تجوز المناكحة بين أهل السنة والاعتزال. وقال الفضل: لا يجوز بين من قال: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنه كافر، ومقتضاه منع مناكحة الشافعية". فهو يرى كفر الشافعية الذين يوجبون الاستثناء في الإيمان.
ومثل هذا قول أبي القاسم البكري، وهو يعرّض بالحنابلة أمام طلابه في المدرسة النظامية: "وما كفر سليمان، ولكن الشياطين كفروا، والله ما كفر أحمد، ولكن أصحابه كفروا ".
لكن هذه الصورة من صور التكفير لم يكن لها كبير أثر في المسلمين، لأنها كما قال ابن الهمام: "ويقع في كلام أهل المذاهب تكفير كثير، ولكنه ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل من غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء".
وفي أواسط القرن الميلادي العشرين، وفي غياهب سجون الظلم عادت هذه الظاهرة من جديد، فبدأ شررها بتكفير الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله ويوقعون بدعاة تحكيم الشريعة الظلم والاضطهاد، ثم امتد بهم التكفير ليعم كل من يعمل في أجهزة الدولة، ومازال البلاء يطم ويعم، حتى قال قائلهم بتكفير المجتمع كله، إلا من قال بقولهم، أو انتمى إلى فكرهم، ولو لم يجاوزوا عدد أصابع اليدين.

وهذه البدعة - كسائر البدع - لا تعدم دليلاً تتعلق به بعد ليّ معناه أو تأويله وتحريفه "ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحداً من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية، يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة.. بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة، وفي كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطراف ما أشنعها في الافتئات على الشريعة".
لكن هذا لا يعني أن ما يتعلق به الواهمون صالح للاستدلال على المسائل المثارة، فإن "العلم شيئان: إما نقل مصدق، وإما بحث محقق، وما سوى ذلك فهذيان مسروق، وكثير من كلام هؤلاء هو من هذا القسم من الهذيان، وما يوجد فيه من نقل، فمنه ما لا يميز صحيحه عن فاسده، ومنه ما لا ينقله على وجهه، ومنه ما يضعه في غير موضعه...".
وهؤلاء الذين حرموا التحقيق والتوثيق لمقالاتهم فاتهم الغوصُ في كثير من بحور العلم، مما لا يغنيهم عنه ما أدركوه في ساحله، فأقعدهم القليل عن طلب الكثير، وصدق من قال: " إنما يُفسد الناسَ نصفُ متكلم، ونصف فقيه، ونصف نحوي، ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللسان، وهذا يفسد الأبدان".
وأمام داهية عود التكفير – من جديد - بين بعض شباب المسلمين رأت رابطة العالم الإسلامي أن تسهم في التصدي لهذه الضلالة، بياناً للحق، وقياماً بالواجب، ولتكون هذه الدراسة وغيرها نبراس هداية لكل من استزله الشيطان فوقع في إخوانه المسلمين تكفيراً وتفسيقاً.
تاريخ النشر: 
16/11/2013 - 09:00

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق