العربية   Français  English

 
أصل الكتاب : محاضرة ألقيت في مدينة تدريب الأمن العام بمكة المكرمة الأمن : مطلب حيوي لا يستغني عنه إنسان ولا ذي روح من الكائنات ، ولأهميته دعا به إبراهيم عليه السلام لمكة أفضل البقاع : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ) (ابراهيم:35).
ولما للأمن من أثر في الحياة تعيّن على الأمة برمتها أن تتضامن في حراسته.
الأمن الشامل : يعني السكينة والاستقرار النفسي والاطمئنان القلبي ، واختفاء مشاعر الخوف من ساحتها ، وفي جوانب عدّة من الحياة الفردية والاجتماعية ، وفي مجالاتها المختلفة المتشعبة : النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
وهذا الأمن هو الذي نوهت به النصوص الشرعية وقرنته بوجود الإيمان والعمل الصالح وحذّرت من فقدانه بأسباب كفران النعمة والتنكر للمنعم بها .
الأمن النسبي والأمن المطلق : لا يكون الأمن المطلق إلا في الجنة ففيها يأمن أهلها من الموت والآفات والفقر ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ) (الدخان:51).
وأما الأمن في الدنيا فهو أمن نسبي مشوب بالهواجس محفوف بالآفات .
 
والأمن في الدنيا يّطرد وينعكس باستقامة الفرد والجماعة فعلى قدر الاستقامة يكون الأمن ويفتقد منه بنسبة وقوع المعاصي كما هو مشاهد.
والمسؤولية الأمنية في الإسلام مسؤولية عامة تشمل الفرد والمجتمع والدولة وبتضامنهم جميعاً يتحقق الأمن الشامل.
صلة الأمن بمقاصد الشريعة : للأمن صلة وثيقة بمقاصد الشريعة الإسلامية ؛ فالشريعة تقصد إلى حفظ المصالح الخمس وصيانتها من الضياع وهي حرمة الدين والنفس والعقل والعرض والمال ويتم تحقيقها بدرجات ثلاث من التشريعات فالعليا تضمن الضروريات والوسطى الحاجيات والدرجة الدنيا تضم التحسينات والأحكام الشرعية تخدم المصالح الكلية في جانب الوجود وفي جانب صيانتها من الانعدام وتتم حراسة المصالح الكلية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يمنعانه من معاصي ويزيدانه من طاعات .
 
ويتحقق الأمن الاجتماعي بتحقق التضامن والتعاون بين جميع أفراد المجتمع وقد احتفى به الدين ودعمه في النفوس .
الأمن الفكري : الفكر أو التفكير هو تلك الحركة الذهنية الدائبة في إدراك المعقولات وتأملها ولكن المقصود هنا هو جملة ما يتعلق بمخزون الذاكرة الإنسانية من الثقافات والقيم والمبادئ الأخلاقية التي يتلقاها الإنسان من مجتمعه ؛ فالمقصود بالأمن الفكري هو اطمئنان الناس على مكونات أصالتهم وثقافتهم النوعية ومنظومتهم الفكرية.
مكانة الأمن الفكري وعلاقته بالسلوك : الأمن الفكري يأتي في الدرجة الأولى من حيث الأهمية والخطورة ، وتصرفات الناس تنطلق من قناعاتهم التي تستند إلى أرصدتهم الفكرية والاعتقادية ، وبهذا يكون منطلق كل عمل يمارسه الإنسان ويظهر في سلوكه من خير أو شر مركوزاً في كيانه الفكري والاعتقادي ومستكناً في داخل النفس وأعماقها .
 
وفي النتيجة فإن المسلمين لا يمكن أن تستقر أوضاعهم ولا تستقيم حياتهم إلا في ظل مباديء الدين وقيمه التي ينبغي أن تملأ الوعاء الباطني من النفس المسلمة بالمعارف السامية ، وتغذيه بالفكر السليم والاعتقاد المستقيم ، وهذا الوعاء هو القلب كما جاء في الحديث ، وجاء من نتيجة ذلك أن الأمن على ما يحتويه القلب من العقيدة الصحيحة والثقافة الإسلامية وكذا الخوف على محتواه يعد أهم أنواع الأمن ، وكيف يأمن المجتمع المسلم على فكره إذا كانت الحياة تسير وفق مناهج تناقض التشريعات الإسلامية وما فيها من توجيه تربوي واجتماعي. فالأمن الفكري في المجتمع المسلم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطبيق الشريعة الإسلامية.
 
والغزو الثقافي من أخطر ما يواجهه الأمن الفكري والمنظومة الثقافية للأمم والشعوب وهو ما تواجهه الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر ؛ فالمجتمعات المسلمة صارت على تواصل تام مع الأنماط الثقافية السائدة في الحياة الغربية بفعل وسائل الإعلام الحديثة وفتح النوافذ على الثقافة الغربية ، فهذا التواصل إضافة إلى حالة الضعف والتمزق التي تعيشها الأمة الإسلامية جعل العالم الإسلامي مسرحاً للغزو الفكري أو الاستعمار الثقافي الذي يستهدف الإساءة إلى العقائد والمبادئ.
 
وللعلم فإن الغزو الثقافي ليس بجديد إلا في التسمية والاصطلاح والأساليب وإنما بذوره وجذوره قديمة وبعيدة في امتدادها الزماني وقد بدأ الغزو الجديد مبكراً بعد فشل الحروب الصليبية ، ففي القرن 13 الميلادي انطلق أول مبشر يرتاد بلاد المسلمين بعد أن تعلم العربية وهو القس الأسباني ( ديمون لول ) وأخذ ينفث سمومه بين المسلمين ، وسار على دربه آخرون إلى أن أصبح الطريق للاستعمار الحديث ممهداً تماماً ثم تطورت مصادر هذا الغزو فأصبحت لها مدارس كالتبشير والاستشراق والعلمانية والوجودية والفكر الإلحادي ، والفكر الطائفي واستحدثت له مذاهب شتى كالبابية والبهائية والقاديانية واليوم يتستر الغزو الثقافي بستار الدفاع عن حقوق الإنسان والذب عن الحريات الأساسية وحماية حقوق المرأة.
 
أثر الغزو الثقافي في المجتمع المسلم : لقد ظهرت آثار الغزو الثقافي في الطلائع الأولي من بعض المثقفين المسلمين الذين اتصلوا بأوروبا عن طريق الدراسة أو الزيارة أو بواسطة المدارس الاستعمارية ؛ فتأثروا سلبا بما عند الأوربيين من النهضة العلمية ظانين أن ذلك جاء من الواقع الثقافي لتلك الشعوب فرأوه مثالاً جديراً بالمحاكاة والتقليد كما قال ابن خلدون المغلوب مولع بتقليد الغالب ثم توسعت حالة الافتتان بالغرب وثقافته حتى طالت عامة المجتمع المسلم ، وامتد التأثر إلى جذور التفكير وأسس القيم والنظرة إلى الحياة والمساق التاريخي والحضاري العام ومسّ كثيراً من الميادين كالتعليم والسياسة والتربية والفن والإعلام ونشأ في بلاد الإسلام تيار تغريبي يدعو إلى الانسياق في المساق الحضاري الغربي دون تفكير في العواقب الوخيمة لذلك الانسياق على مقوماتنا وحضارتنا ونتج عن ذلك ما تنادي به هذه الفئة من الدعوة إلى التخلي عن كثير من الأمور الشرعية ويعرضون بذلك الأمن الفكري والثقافي للخطر ويسيئون إلى الدين ، ولا يمكن أن يجدوا لأنفسهم مكاناً بين الأمم التي يقلدونها لأنها تنظر إلى أصولهم التي ينتمون إليها فتنسبهم إلى الأمة الإسلامية مهما تظاهروا بالانسلاخ عنها.
 
وهـؤلاء المستغربون يعيشون حالة من التناقض بدعوتهم إلى نبذ القيم الإسلامية ؛ لأنهم يتنكرون لمبادئ التنوع الثقافي في العالم الذي أقره إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي الذي أكد على أن لكل ثقافة كرامة وقيمة يجب احترامها والمحافظة عليها.

 

تاريخ النشر: 
14/02/2016 - 12:30

مؤتمرات الرابطة الخارجية

القضايا الإسلامية

كتاب موقف الإسلام من الإرهاب

موقف الاسلام من الارهاب

جديد نشرة الأقليات المسلمة حول العالم

نشرة الأقليات المسلمة العدد الرابعة عشر

مجلة الإعجاز العلمي

مجلة الإعجاز العلمي العدد 34

جديد كتاب دعوة الحق

دورية دعوة الحق